محمد جواد مغنية
47
في ظلال نهج البلاغة
جملة ما قال : « كان لنا ناصحا ، وعلى عدونا شديدا » كما في الرسالة 33 ، وقال في الرسالة 13 : « ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته » . ويكشف هذا التقريض ان الأشتر كان يجمع بين العلم والعقل والإخلاص ، بالإضافة إلى الشجاعة والفروسية . وليس من قصدي أن أطيل وأفيض في شرح هذا العهد اليتيم ، كما هي عادتي في كل ما كتبت خوفا من ملل القارئ وسأمه . . . ولكني أحاول جاهدا أن أبرز المعاني الأساسية والمزايا الهامة ، ومدى تأثيرها في الحياة . وخير الكلام ما قلّ لفظه ، وكثرت فوائده . ابتدأ الإمام هذا العهد بتحديد السلطة التي أسندها للأشتر ، وهي أربعة أمور : الأول : ( جباية الأموال ) وهي من الوظائف المالية . الثاني : ( جهاد العدو ) الشؤون الحربية . الثالث : ( استصلاح حال المواطنين ) ويشمل الأمن والثقافة والصحة ووظائف الدولة والخدمات ، وما إلى ذلك من الشؤون الاجتماعية . الرابع : ( عمارة البلاد ) وتعمّ الزراعة والصناعة والتجارة والإسكان والمواصلات . ثم أمره بما يجب على كل حاكم في كل العصور ( أمره بتقوى اللَّه وإيثار طاعته إلخ ) . . . العلم بلا تقوى لا يحل مشكلات الحياة ، بل يزيدها تعقيدا . . . وما ذا فعل العلم بإنسان القرن العشرين . . . لقد غيّر العالم القديم ، ما في ذلك ريب ، وهبط بالانسان على سطح القمر . . . ولكنه أودى بحياة الملايين ، وروّع الآمنين ، ونهب أقوات الضعفاء ، وشرّد ملايين الأطفال والنساء ، وبات يهدد بأسلحته كوكبنا هذا الذي نسكنه بالخراب والدمار . . . ويستحيل أن تعمر البلاد ، ويسعد أهلها ، وترى الانسانية شيئا من الخير إلا بالإخلاص والتقوى . ( اني قد وجهتك إلى بلاد إلخ ) . . . كل بلد رأى من حكامه شرا وخيرا ، ولكن معظم الحكام والزعماء من الأشرار ، وأما الأخيار فأقل من القليل ( وان الناس ينظرون - إلى - تقول فيهم ) . لا سلطان للملوك والأمراء على نوايا الناس وأرواحهم ، ولا على ألسنتهم وأفكارهم . . . وهم ينطقون بمظالم الحاكم وعيوبه ، وبالأمس كنت يا مالك تعيب وتنتقد بعض الولاة ، فاجتهد ما استطعت في أن لا تدع سبيلا عليك للقالة والملامة .